الطبيعة المكانية للجرائم الإلكترونية

الطبيعة المكانية للجرائم الإلكترونية في مصر

بقلم: المستشار رامي عبد الهادي
محامٍ بالنقض – رئيس محكمة سابق – دكتور القانون الجنائي

استكمالًا للنقاط التي تم تناولها في المقالات السابقة، نستعرض اليوم إحدى القضايا الجوهرية التي ناقشها المستشار رامي عبد الهادي، وهي الطبيعة المكانية للجرائم الإلكترونية، لما لها من أثر مباشر على مسألتي الاختصاص القضائي والقانون الواجب التطبيق.

أولًا: خصوصية الجرائم الإلكترونية

تتميز الجرائم الإلكترونية بطبيعة خاصة لا تخضع للحدود الجغرافية التقليدية، ولا تنطبق عليها معايير الاختصاص المكاني المعمول بها في الجرائم العادية. فهي جرائم تقع في فضاء افتراضي عابر للحدود، الأمر الذي يثير إشكالات قانونية متعددة، أبرزها تحديد جهة الاختصاص والقانون واجب التطبيق.

ثانيًا: عابرية الحدود وصعوبة التكييف

أوضح المستشار رامي عبد الهادي أن الجرائم الإلكترونية تُعد شكلًا مستحدثًا من الإجرام، تزامن مع تحول الإنترنت إلى جزء أساسي من الحياة اليومية. وقد أسهم هذا التحول في تنوع أنماط الجريمة، ومن أبرزها عمليات الاحتيال عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يُستدرج الضحايا للنقر على روابط مضللة بزعم الفوز بجوائز أو هدايا، تمهيدًا للاستيلاء على بياناتهم الشخصية.

ثالثًا: إشكالية الاختصاص المكاني

في ظل غياب إطار تشريعي دولي موحد ينظم الجرائم الإلكترونية، يتم اللجوء إلى قواعد الاختصاص المكاني التقليدية، وهو ما يطرح صعوبات كبيرة. فمكان ارتكاب الجريمة الإلكترونية غير ملموس، وقد يتوزع السلوك المادي للجريمة بين أكثر من دولة، بينما تتحقق النتيجة الإجرامية في دولة أخرى، بما يؤدي إلى تنازع إيجابي في الاختصاص بين عدة تشريعات وطنية.

ومن الأمثلة الشائعة على ذلك جرائم التهديد عبر الرسائل الإلكترونية، حيث قد يتم إرسال الرسالة من دولة، وتلقيها في دولة أخرى، بعد مرورها عبر خوادم متعددة في دول مختلفة.

رابعًا: قصور المعايير التقليدية

أُنشئت القواعد التقليدية للاختصاص المكاني للتعامل مع الجرائم القابلة للتحديد الجغرافي. أما الجرائم الإلكترونية، التي تُرتكب في فضاء رقمي بلا حدود، فإن تطبيق هذه القواعد عليها يصبح غير ملائم، ويجعل تحديد مكان وقوع الجريمة في غاية الصعوبة.

خامسًا: ظهور معايير حديثة للاختصاص

أمام هذا الواقع، ظهرت معايير حديثة تتجاوز المفهوم التقليدي لمكان ارتكاب الجريمة، ومن بينها:

  • معيار تمركز الموقع الإلكتروني في جرائم النشر الرقمي.
  • معيار مكان التقليد أو النشر في الجرائم الماسة بحقوق الملكية الفكرية.
  • معيار إمكانية الوصول للموقع في الاعتداءات على حقوق المؤلف عبر الإنترنت.
  • وفي الجرائم المرتكبة ضد الأحداث، ينعقد الاختصاص وفق أولوية معايير، من بينها:
    1. مكان مشاهدة المحتوى غير المشروع.
    2. مكان وجود خادم الإيواء إذا أمكن تحديده داخل الإقليم.

وقد أسهمت هذه المعايير في بلورة مفهوم جديد لمكان ارتكاب الجريمة الإلكترونية، يتلاءم مع طبيعتها الخاصة.

خاتمة وتوصيات

وفي ختام هذا العرض، يؤكد المستشار رامي عبد الهادي على حتمية تعزيز التعاون الدولي ووضع تشريعات حاسمة لمواجهة الجرائم الإلكترونية، إلى جانب اعتماد آليات إجرائية مرنة تقوم على مبادئ التعاون العابر للحدود، بما يضمن ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم بفعالية وحماية المجتمع الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *